الشيخ محمد رشيد رضا
133
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الدين لجميع أفراد الأمة ، وهذه الفلسفة الكلامية من دقائق النظريات الفكرية التي انفرد بالغوص عليها أفراد معدودون من أذكياء الأمم فتفرقوا فيها واختلفوا لان التفرق والاختلاف من لوازمها البينة ، فعصوا اللّه تعالى في نهيه عن التفرق والاختلاف في الدين ، فكيف يقول عاقل ان جميع المؤمنين قد كلفوها ، وإذا كانت صحة الايمان تتوقف عليها ، فكم عدد المؤمنين في الأمة كلها ؟ وإذا كان الحق فيها واحدا كما يقولون فكم عدد أهل الحق منهم ؟ وكيف السبيل لدى كل من احتكر الحق فيها لنفسه إلى تلقين السواد الأعظم من الأمة ما يراه بحيث لا يقبل سواه ؟ فإن كان هو أصل الدين الذي لا يقبل اللّه غيره ففهم لدين متعذر على أكثر الأمة ، وأما ما كان عليه السلف الصالح في صدر الأمة فكان سهلا ويسيرا كما وصف اللّه ورسوله هذا الدين وهذه الملة ، كان جميع المسلمين في الصدر الأول يصفون اللّه تعالى بجميع ما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تشبيه له بأحد من خلقه ، ومن غير هذه الفلسفة الكلامية التي لم يشرعها اللّه تعالى ولا أنزل بها من سلطان ، ولذلك استنكر جميع أئمة السلف علم الكلام وعدوه بدعة سيئة ، ومن خاض فيه بعد ذلك من أتباعهم فلانهم ظنوا انه يتوقف عليه ابطال البدع وإزالة الشبهات المشكلة في الدين لا لذاته ، وأرادوا به إزالة الخلاف فزادهم خلافا وافتراقا ، حتى صار أكثرهم يزعم أن العقائد الصحيحة لا تعرف الا به ، ويحصرها كل فريق في مذهبه ، ولا سلامة للمسلمين في دينهم ودنياهم الا الرجوع في الدين المحض إلى ما كان عليه السلف وفي أمور الدنيا إلى ما أثبته العلم والتجارب في هذا العصر ، وان ينبذوا جميع الأسباب والكتب التي كانت مثار الخلاف والتفرق وراء ظهورهم ، ولا يجعلوا قول عالم من علمائهم ولا فهمه سببا للتعادي والتفرق بينهم ، بل يعدوا كل ما ليس قطعيا من كتاب ربهم وسنة رسولهم واجتماع سلفهم من الاجتهاد الذي يعذر به من قام دليله عنده ومن وثق به ولا يكون حجة على غيره . وقد فصلنا القول في هذا في مجلتنا ( المنار ) مرارا فبهذا يزول ضرر اختلاف المذاهب في الأصول والفروع ، ويتراجع الجميع إلى وحدة الدين وأخوّة الاسلام ، فينالوا من سعادة الدنيا ثم الآخرة ما شرع اللّه لهم الدين لأجله بعد هذا التمهيد نقول إن مسألة الكلام الإلهي كمسألة الرؤية فيما اختلف فيه